أحمد زكي صفوت

124

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

اللّه ورسوله ، ويفتى في القملة والنّملة ، وقد احتمل بيت مال البصرة « 1 » بالأمس ، وترك المسلمين بها يرتضخون « 2 » النّوى ، وكيف ألومه في ذلك : وقد قاتل أمّ المؤمنين وحوارىّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن وقاه بيده « 3 » » .

--> ( 1 ) ذكر بعض المؤرخين أن ابن عباس كان من أحب الناس إلى عمر ، وكان يقدمه على أكابر الصحابة ولم يستعمله قط ، فقال له يوما : كدت أستعملك ، ولكن أخشى أن تستحل الفىء على التأويل ، فلما صار الأمر إلى علي استعمله على البصرة ، فاستحل الفىء على تأويل قوله تعالى « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى » ، واستحله لقرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قالوا : ومر ابن عباس على أبى الأسود الدؤلي فقال : لو كنت من البهائم لكنت جملا ، ولو كنت راعيا ما بلغت من المرعى ولا أحسنت مهنته في المشي ، فكتب أبو الأسود إلى علي كتابا يقول فيه : « إن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك ، فلم يسعني كتمانك ذلك ، فانظر رحمك اللّه فيما هنالك » فكتب على إلى ابن عباس « أن ارفع إلى حسابك » فرد عليه ابن عباس : إن كل الذي بلغك باطل » . فكتب إليه على : « إنه لا يسعني تركك ، حتى تعلمني ما أخذت من الجزية ، من أين أخذته ، وما وضعت منها ، أين وضعته » فلما رأى أن عليا غير مقلع عنه كتب إليه « ابعث إلى عملك من أحببت ، فإني ظاعن عنه » ورحل عن البصرة ، وقد حمل ما كان في بيت مالها حتى قدم الحجاز فنزل مكة ، وتبودلت الكتب بين على وبينه ثانية ، وكانت خاتمتها أن كتب إليه ابن عباس : « واللّه لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به » فكف عنه على ، - انظر العقد الفريد ج 2 : ص 242 ، وتاريخ الطبري 6 : 81 ، ونهج البلاغة ج 2 : 46 - . وقال آخرون : إن ابن عباس ما فارق عليا ولا باينه ، ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل على وبعد مقتل على حتى صالح الحسن معاوية ، ثم خرج حينئذ إلى مكة ، وليس هذا موضع بحث تلك المسألة - انظر كلمة عنها في شرح ابن أبي الحديد ج 16 ص 64 ، وأمالي السيد المرتضى ج 1 ص 123 . ( 2 ) رضخ النوى ( كمنع وضرب ) كسره ، وفي لسان العرب : « فظلوا يترضخون أي يكسرون الخبز فيأكلونه ويتناولونه » ولم أجد في كتب اللغة « يرتضخ » بهذا المعنى ، وإنما الذي جاء « وهو يرتضخ لكنة عجمية إذا نشأ معهم ثم صار إلى العرب ، فهو ينزع إلى العجم في ألفاظه ولو اجتهد » وقول ابن الزبير كناية عن شدة القحط والفاقة . ( 3 ) كان طلحة بن عبيد اللّه ممن ثبت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحامى عنه في وقعة أحد وقد انهزم المسلمون ، ووقاه بيده من سيوف المشركين ، وقد رمى بسهم في يده فيبست ، وقال عليه الصلاة والسلام يومئذ « اليوم أوجب طلحة الجنة » .